
تلك هي التّسمية الوحيدة التي تليق بمن لم يبق لهم اليوم سوى أن يحمي بعضهم البعض الآخر بظهره بعد أن كُشفت أوراقهم في السّنوات الأخيرة وتفطّن التّونسيّون إلى مدى رداءتهم و انحطاطهم وزيف ادّعاءاتهم باحترام الرّأي المخالف.
مخرجون متصابون أدمنوا نقل صور النهود والأرداف إلى أسيادهم في فرنسا، أسيادهم الّذين يغدقون عليهم العطاء منذ ربع قرن لضرب ما تبقّى من الحياء في بلد ازدهرت فيه قلّة الحياء.
محامون مفلسون فكريّا وماديّا إلى درجة تجعلهم قابعين في محطّات الأحداث، عسى أن يركبوا مسلسلا يصوّر الأنبياء أو قضيّة خطف أبكت الملايين، دون أن يفكّروا في الآلاف الذين تؤكل حقوقهم وتُمتهن كرامتهم وتتعفّن أطرافهم في السّجون بسبب رأي أبدوه أو فكرة عبّروا عنها.
إداريّون يهملون أعمالهم التي كُلّفوا بها ويقضون اليوم في الدّفاع عن أطروحة حوّلها إعلامنا المشلول إلى "كتاب" على الشّبكات الإجتماعيّة. أنا أفكّر إذا أنا فكرون، اقرأ كتابي قبل أن تعطيني الخسّ.
قنوات احترفت التّضليل والتّعتيم والتّثمين والإمتنان والمناشدة، وأخرى لا تمارس إلاّ الإلهاء ببرامج الدّموع التي تجوز على ذارفيها أكثر من أيّ ملتاع آخر.
إذاعات تستضيف زوجات ليصرّحن بأنّهن مللن أزواجهنّ في الفراش، وأخرى تزيّف نسبة الإضرابات النّقابيّة وتلغي استضافة تونسي لتحاور مكانه فرنسيّا دون أن تعتذر أو تبدي توضيحا.
مواقع تغرّر بالمراهقات على الملأ وتستغلّ طمعهنّ في الشّهرة لتحشو عقولهنّ بما تيسّر من العُهر وتهيّؤهنّ لأن يكنّ نجمات يُضئن ليالي رمضان القادمة بما سيبقى من شرفهنّ.
نفس المواقع تعبث بزائريها فتنشر أغنية جريئة تنتقد الفساد في البلاد ثمّ تتراجع وتمحو الرّابط بعد أن حقّقت الفرقعة الإعلاميّة التي كانت تحتاجها.
نفس المواقع تعيد نشر بلاغ مومس-افريقيا للأنباء عن أحداث سيدي بوزيد وتردفها بأرقام خيالية عن الإستثمارات التي "تمتّعت" بها الولايات الدّاخليّة في الثلاث وعشرين سنة الفارطة.
"سحفيّون" لم يدرسوا الصّحافة يوما يدّعون عدم المجاملة وكلّ ما يفعلونه هو تمجيد القرارات الرئاسيّة "الرائدة والملهمة" وشكر باعث الإسطبل الذي لا يزالون يظنّونه قناة تلفزيّة. يتركون النّاهب ينهب والغاصب يغتصب ويستضيفون حميرا وبغالا يصرّحون بخياناتهم الزّوجيّة على الهواء.
ممثّلون يتصرّفون على سجيّتهم في أفلامهم فتكون المومس مومسا والديّوث ديّوثا، ويمثّلون خارج الشّاشة فيذرفون دموع الأمّهات والزّوجات والأخوال والخالات ويبكون "قاعدة جماهيريّة" لا تكفي لملئ سيّارة أجرة.
لقد تمكّنت هذه النّقبة المثقّفة من إخفاء شكلها المقرف ورائحتها الكريهة لعقود من الزّمن. عقود استحوذت فيها على المنابر الإعلاميّة لتحوّلها إلى مقابر تعتيميّة، مستغلّة في ذلك قدرتها على ابهار النّاشئة وخلوّ السّاحة من أيّ صوت مخالف لنعيقها ليكشف مدى تعفّنها وعبثيّة خطابها الذي لم نرَ من حداثته سوى الفضلات التي أفرزتها القارّة العجوز.
لم يتصوّروا يوما أنّ الجّيل الذي عملوا السّنين الطّوال من أجل تخديره بالتّحليلات الكرويّة ومشاهد الإغتصاب ومسابقات الجّمال سينهض يوما من سباته .. ولكنّه نهض أخيرًا.
لا تزال النّقبة المثقّفة مصدومة من ردّة فعل هذا الجّيل، نفس الجّيل الذي "تربّى" على أفلامها وكتبها ومنوّعاتها وأغانيها وقيلها وقالها وما تنشره من تفاهات في مواقعها الإلكترونيّة. إنّها لا تصدّق أنّه استيقظ بمفرده! لا بدّ أنّ هناك جهات "يعرفونها جميعا" - كما يقولون دائما - تسلّلت إليه في الظّلام وحقنته بمصل إرهابي-ظلامي-تكفيري!
النّقبة المثقّفة لا تستوعب أنّ الجّيل الذي برمجته على الاستماع فقط سينطق يوما، ولا هي مصدّقة أنّ صوته يوم ينطق سيكون أشدّ من وقع القنابل.