2011-02-08

تونس…ثورة مهيكلة بلا قيادة


revolution tunisienne 2011
ان اعتقاد البعض أن ما حدث في تونس من انتفاضة شعبية حملت مطالب اجتماعية بالأساس في بادئها لتنتهي إلى ثورة تطيح برأس النظام, كان عملا عفويا غير خاضع لتنظيم معين في لحظة منفصلة عن سياقها التاريخي و السياسي, هو اعتقاد يردّ على أصحابه.
و إن كان عن حسن نيّة أو سوء نية, كما يسوق له فهو يهدّد البرّنامج الذي رفعته الثوّرة حيث يقدمه هذا التصور على أنه برنامج جاء لحظة انفعال و في لحظة عفوية و يمكن التناقش في مضمونه.
إن النظام السابق و على رأسه بن علي قد نظّم المجتمع التونسي بطريقة معقدة « تتقاطع »مع المفّهوم الكلاسيكي لتنّظيمات ,الذي يرتكز على » قيادة « مكشوفة تحمل برنامج واضحا يعمل على عدة آليات .
إلا أن النظام السابق قد حارب هذا المفهوم فانطلق بحملة شعّواء على مقوّمات المجتمع المدني فحاصر القيادات الفاعلة و بسط يده على المنظمات و الأحزاب و الإعلام و همش المعارضين له .
لكن هؤلاء الذين أقصاهم نظام بن علي و الذي كان يرفع شعارا تبناه عن القيادة الأمريكية « قيادة بوش »إن لم تكن معي فأنت ضدي نجحوا دون أن يشعروا في تشكيل تنظيمات تلتقي على جملة من البرامج المسحوبة على أعداد المشتركين في الأهداف .
ولم يكن لهؤلاء قيادات أو آليات عمل أو حتى تصورات سياسية كل ما كان يعني المجموعات الصغرى التي نظمها بن علي هو تحقيق جملة من مطالبها و إن لم لم تصرح به بطريقة مباشرة
ومن ذلك من الممكن أن نذكر أمثلة –فمثلا كان المقهى فضاء للمعطلين عن العمل يلتقون فيه و يتقاسمون همومهم و يشتركون حول نقطة التشغيل و حقهم فيه و محاربة المحسوبية و الفساد و بالتالي أوجد بن علي دون أن يشعر و دون أن يريد نوعا من التكّتلات تملكا فضاءات خاصة « الحومة »و »القهوة » فيما يشبه النقابة.
و اشتراك هؤلاء في المطالب ووعيهم بتقاسم شريحة لا بأس بها لنفس مطالبهم و توجهاتهم أعطاهم نفسا من الثقة و » الانزواء الجماعي « الذي سرعان ما سيخرج إلى الشارع
و كذلك من الممكن اعتبار الناشطين على « الانترنات » الذي مثل هذا الفضاء الافتراضي بالنسبة لهم متنفسا خاصا يمكنهم من التعبير إلى حد ما عن تطلعاتهم و طموحهم و إيصال صوتهم و كما ساهم في خلق إعلام بديل و حلقات نقاش كرست بشكل أو بشكل أخر نوعا من الوعي و التكتل و الاشتراك فكانت المجموعات « الفايس بوكية »وكانت « المظاهرات الافتراضية »
وحتى في مجموعات الكرة « الالترا » و السوبرا »التي أقصيت و همشت أوجدت لنفسها تنظيمات خاصة و شعارات و قوانين تحدت أحيانا المحظور
لكن هذه المجموعات ظلت غير واعية بالمجموعات الأخرى فيما وصفناه « بالانزواء الجماعي »و تقوقعت كل مجموعة على نفسها
لأجل ذلك و بالعودة الى تفاصيل ما حدث منذ أن أحرق » البوعزيزي » نفسه و كان الشرارة التي أشعلت الثورة »بالرغم ان حالة الاحتقان كانت عامة وكان المخزن مليئا بالبنزين » وقد حذّر مراقبون كثر من انفجار الوضع في تونس .
فالثورة عرفت خطين راسييّن
خطّ ما قبل تالة و هو شمل المناطق الداخلية « و تالة » نسبة إلى مجزرة 8جانفي 2011حيث كان المطالب الاجتماعية هي الطاغية و حتى المطالب السياسة كانت محافظة على سقف معين فلم تطالب برأس النظام بل ظلت مقتصرة على محاربة الفساد
خط تالة .بعد مجزرة تالة تحركت كل تونس و جميع تنظيماتها و خرجت من دور المتعاطف و المؤيد للمطالب المشروعة التي نادى بها أهل المناطق الداخلية إلى دور الفاعل و المطالب و غابت المطالب السياسية و التقت جميع التنظيمات على مطلب سياسي ذو سقف واحد عال وهو رأس النظام متجاوزة بذلك كل التوقعات و المعارضات التي عجزت عن احتواء ثورة الشارع
ففي اللحظة التي أدركت فيها جميع التنظيمات الصغرى إن مسألة الحرية هي هاجس جماعي انصهرت داخل بعضها متخلية عن كل مطلب ثانوي
read more "تونس…ثورة مهيكلة بلا قيادة"

2011-02-07

حمّادي الرّديسي يسعى إلى حذف عبارة "الإسلام دينها" من الدّستور التونسي

في حوار أجراه معه موقع L'orient le jour (انظر الرّوابط في الأسفل)، اقترح أستاذ العلوم السّياسيّة بجامعة تونس حمّادي الرّديسي إجراءات يعتبرها ضروريّة "لحماية ديموقراطيّة ناشئة".

وأكّد الرديسي أنّ الحركة العلمانيّة في تونس "قويّة لكنّها مشتتة وغير مهيكلة بالقدر الكافي"، وأنّ الشبّان التونسيّين المدافعين عن العلمانيّة "يُعدّون بالآلاف". كما أضاف أنّ الصّورة الوحيدة التي رُفعت خلال الإحتجاجات كان صورة تشي غيفارا! (هكذا!)

وفي ردّه على سؤال ما إذا كانت العلمانيّة في تونس في خطر، قال الرّديسي أنّه إقترح (في لقاءات إذاعيّة وتلفزيّة حسب كلامه) أن يتمّ تغيير الفصل الأوّل من الدّستور التونسي بحيث تتحوّل عبارة "الإسلام دينها" إلى "محايدة دينيّا"، وأنّه دعا إلى مجلس من أجل الجمهوريّة يتبع النموذج التركي من أجل حماية ذلك الفصل.

ويعتبر الرّديسي أنّ تلك هي "الطّريقة الوحيدة التي تـُمكّن من حماية الدّيمقراطيّة الناشئة حتى لا تسقط في ديمقراطيّة دينيّة" حسب تعبيره.


رابط نحو الحوار على موقع L'orient le jour (هــنا)

رابط نحو نصّ الحوار لغير المشتركين بالموقع (هنــا


read more "حمّادي الرّديسي يسعى إلى حذف عبارة "الإسلام دينها" من الدّستور التونسي"

تونس-إفريقيا للأنباء تنتفض على بقايا الديكتاتوريّة

تونس (وات) -

عبّر صحافيو وصحافيات وكالة تونس إفريقيا للأنباء "وات" يوم الاثنين خلال اجتماع لأعضاء أسرة التحرير عن رفضهم لطريقة تعاطي بعض الجهات في الحكومة المؤقتة مع الشأن الإعلامي. وجدّدوا في هذا الاجتماع التعبير عن تمسكهم بحرية الصحافة واحترام أخلاقيات المهنة بعيدا عن التعليمات والتضييقات من أية جهة كانت.


وانطلاقا من جملة هذه المبادئ توضح أسرة التحرير أنه على إثر بث الوكالة يوم الأحد 6 فيفري 2011 استنادا إلى مصادر رسمية بوزارة الداخلية خبرا حول تعليق نشاط التجمع الدستوري الديمقراطي تلقى التحرير طلبا من وزارة الداخلية بحجب الخبر من الموقع الالكتروني وقتيا على أساس أنه سيتم مد الوكالة بتوضيحات مكملة.

وبناء عليه قام التحرير بحجب الخبر من الموقع الالكتروني للوكالة مع الإبقاء عليه في نشراتها العامة باللغتين. وأمام عدم تلقي الوكالة لأي توضيح جديد من مصالح وزارة الداخلية تمت إعادة الخبر إلى الموقع.

ومن هذا المنطلق يجدّد صحافيو الوكالة التأكيد على الصبغة الإعلامية للوكالة باعتبارها مؤسسة عمومية في خدمة المواطن مهمّتها تأمين تغطية صحفية مهنية تتقيد بأخلاقيات المهنة دون انحياز لأيّ أطراف كانت من حكومة وأحزاب سياسية ومكوّنات مجتمع مدني أو غيرها.

ويطالب الصحافيون جميع الأطراف بما فيها الحكومة المؤقتة باحترام المهام الموكولة للوكالة وعدم الزجّ بها في مواقف لا تتوافق مع مقتضيات المهنة.


read more "تونس-إفريقيا للأنباء تنتفض على بقايا الديكتاتوريّة"

تونس الثائرة: بين مخاطر الردّة واستحقاق التنمية




إسماعيل دبارة
- تونس -


تردّدت كثيرا قبل أن أقرّر الكتابة حول الثورة التونسيّة التي هزّت كيان المنطقة هزّا ورجّته رجّا بشكل يصعب من بعده التنبّؤ بما يمكن أن يحصل في تونس ذاتها أو في بقيّة الأقطار المجاورة.

التردّد عائد إلى أمرين أساسين، الأوّل عامل المفاجأة، فلا أنكر أنّ ثورة شباب تونس العظيم باغتتني كما باغتت غيري من المحللين والمتابعين والسياسيين والخبراء وفي أقصى الحالات لم نكن نتوقع هذه النتيجة لانتفاضة سيدي بوزيد رغم أنّ منطق الأشياء كان يكرّر وينبّه ويحاور العقلاء منذ زمن قائلا: تونس على "كفّ عفريت" يا قوم!


الأمر الثاني بلا شكّ هو عدم وضوح الصورة، فرغم إطناب المحللين العرب والتونسيين (ممّن تفطنوا أخيرا أن البلاد كانت ترزح تحت الاستبداد وهم من سطّروا المقالات ودبّجوا الصحف لإبداء الإعجاب فيما كان يسمى سابقا المعجزة التونسية) في الكتابة عن الثورة والثوار وإسقاط الطاغية، فإنّ القاسم المشترك بين كثيرين هو افتقادهم للتفاصيل وبعدهم عن حقيقة ما جرى قبيل الرابع عشر من يناير الماضي والأيام التي تلته.


لسنا هنا في وارد التعليق على تلك الأحداث، بل سنتعدّاها لمقاربة الشأن التونسيّ من زاوية أخرى يغفل عنها كثيرون برأينا.


ولكن لا مناص هنا من لفت الانتباه إلى الكتاب والمستكتبين بأنّ التعليق على ما جرى في تونس خلال يناير/ جانفي الماضي يتجاوز التحليل من منظور أوحد وحيد وضيّق وهذا ما لاحظه كثيرون، فعوامل والثورة ومسبّباتها متعددة منها ما يرتبط بالتونسيين ووعيهم السياسي والاجتماعيّ والثقافي ومنها ما يرتبط بوضعهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ، ومنها ما يرتبط بأجهزة النظام ومؤسساته الأمنية ذاتها، ومنها ما يتعلق بالعامل الدوليّ والخارجيّ.


وكلما سقط عامل من العوامل المذكورة إلا وتهاوى التحليل وضعُف وانفرط عقده، وتحوّل إلى تسطير لعبارات المساندة وتسجيل لموقف باهت لا أكثر ولا أقلّ.

تونس اليوم على مفترق طرق، تحرك شعبها الأبيّ على اختلافاته وتفاوت أوضاعه، وتوحّد على كلمة سواء، كررتها الحناجر بلا ممل "بن علي ارحل"، وقد تحقّق للشعب التونسيّ ذلك، ورحل بن علي، كيف رحل؟ تحت ضغط الشارع أم تحت مؤامرة من مقرّبيه ومسؤوليه الأمنيين أم بتحذير من الجيش أم بمناشدة خارجية ورفع للغطاء عنه، أم أن تلك السيناريوهات أو جميعها اجتمعت فرحل؟

وحدها الأيام ستجيب ولا يمكن لأيّ كان أن يجزم بحقيقة ما حصل ليلة 14 يناير، فذلك هو الموضوع الذي تتستر عليه الحكومة الحالية بشكل يبدو لي متوقعا وطبيعيا.

قلنا إن تونس على مفترق طرق أو هي تبدو كذلك، دعونا نقترب أكثر لنفهم الحكاية، فوصول التونسيين إلى مفترق طريقهم لم يكن سهلا، فأول عقبة كان شراسة النظام في مجابهة الهبة الشعبية التي أطلق شرارتها الشهيد محمد البوعزيزي وإن كان وقودها في المستودع منذ سنوات التسعينات، فالوضع لا يشي بغير الانفجار واللهيب.

العقبة الثانية كانت نصب الأسلاك الشائكة في مفترق طريق التونسيين، وتحديدا منذ هروب الطاغية إلى جزيرة العرب تاركا إرثا ثقيلا من الفساد والاستبداد ودولة على شفا الانهيار وسيذكر التاريخ له ولـ"ليلاه" ودستته ذلك "الانجاز".


راهنت قوى الردة من أتباع الرئيس المخلوع على الفلتان الأمنيّ في الساعات الأولى، فعربدت في الشوارع ونهبت الممتلكات ونشرت القناصة على أسطح المنازل والبنايات فسقط المزيد من الشهداء من المدنين وقوات الجيش الوطنيّ، لكن إرادة الشعب تفوّقت وسحقت هذا التحدّي رغم أنّ شبح الفلتان الأمنيّ لازال مخيّما مع وجود جهاز أمني ومخابراتيّ غارق في الفساد والجرائم حتى النخاع، يرفض الانضباط، ويخشى فقدان مكاسبه، والكل يعلم في تونس وخارجها أنّ وزارة الداخلية كانت السلطة الأقوى والأكثر بطشا في عهد المخلوع، ومن العسير على من تربى على البطش والتنكيل وفعل ما يريد بلا رقابة أو محاسبة أو جزاء، أن يسلم أمره لثورة تريد أن تقطع مع الماضي.


ابتلي التونسيون كذلك بفراغ سياسيّ رهيب عندما هرب الطاغية، فراغ متوقّع هو الآخر نظرا للسياقات التي جرت فيها الثورة، والقائمة على عفوية الهبة وعدم بروز قيادات كبرى تأطر تحركاتها، مع فشل المعارضات في اقتناص اللحظة الملائمة وتصدّر مسيرة الحرية والكرامة والتغيير، مقابل الدور المتنامي لوسائل الاتصال الحديث التي قطعت مع العمل التقليدي في القيادة والتنسيق والتحرّك.


اقتنصت رموز العهد البائد ذلك الفراغ الذي تتحمّل مسؤوليته المعارضات أولا وأخيرا ومع كثير من الاحترام، لا نقول إنها معارضات لم تناضل ضدّ الفاشية التي كانت قائمة، بل نزعم أنها ناضلت بطرية خاطئة تماما، لا تنتمي لروح العصر، تسبّق الإيديولوجي على السياسيّ وترفض الالتحام بمشاغل الشعب وتحديدا الشباب، وتحرص على استعمال آليات قديمة تجاوزها الزمن، لذلك كانت تضحيات المعارضة في تونس مؤلمة وقاسية نتيجة البطش الذي تعرضت له، لكن النتائج كانت دون المأمول.


فمع هروب بن علي وإعلان التونسيين نجاح الثورة، تابع العالم بانشغال واهتمام ما يجري متوقعا أن يكون السيناريو التونسي شبيها بسيناريو ثورات أخرى شهدها العالم، ومن ذلك بروز حكومة إنقاذ وطني أو مجلس تأسيسيّ أو تقدّم شخصية بارزة لتولي مقاليد السلطة وتحظى بالمصداقية لدى العامة، أو تزكية المتظاهرين لمن يفاوض نيابة عنهم مؤقتا أو حتى تدخل الجيش لملأ الفراغ، لكن لم يحصل من كل ذلك شيء وهو ما يحيّر المراقبين إلى يوم الناس هذا: كيف لثورة عظيمة كالتي عاشتها تونس أن تسلم مصيرها إلى رموز العهد الذي من المفروض أنها قامت لسحقه والقطع معه، وها نحن اليوم أمام ثورة أطاحت برأس النظام وحافظت على النظام ذاته مع تغييرات طفيفة.


تشكلت إذا حكومة ضعيفة، شارك فيها معارضون صادقون دفعوا نتيجة صدقهم الكثير والكثير في عهد زين العابدين بدعوى تجنّب الدخول بالبلاد في مرحلة "اللاّعودة" وإدخالها في المجهول، على اعتبار أن المرحلة الانتقالية حساسة للغاية وان تونس لا تحتمل ذلك التغيير "الطفروي" والجذريّ الذي سيؤدي للفلتان وربما انهيار الدولة... رأي قد لا نتفق كثيرا معه، فالفاصل بين الخشية على مصلحة البلاد والعمل على تعطيل مسار التحرّر خيط رفيع دقيق وعلى هؤلاء أن ينتبهوا كثيرا.


ربما يسعى السّيد محمد الغنوشي فعلا إلى الخروج بتونس من فوهة البركان نحو برّ الأمان كما يعتقد كثيرون، وربما تكون الدموع التي ذرفها صادقة، ولكن هذا لا يعفي السيّد المحترم من اتهامات نسوقها بلا تحفظ، فهو إن لم يكن بحسب كثيرين من رموز الفساد وإن كان فعلا نظيفا اليد، فنحن نجزم بأنه رمز للفساد السياسيّ حتى إن نجا من تهمة الفساد الماليّ.


كان الرجل رفيق درب الطاغية، منحه ثقته في أكثر من مناسبة، ووضعه على رأس الحكومات الفاشلة والمتعاقبة التي أبدعت في التنكيل بالتونسيين والضحك على ذقونهم، ولم يسجل التاريخ كلمة حقّ للسيد الغنوشي عن كمّ الجرائم التي ارتكبت خلال وجوده في السلطة ولا كلمة حق حول التزييف والكذب والبهتان، فكان كغيره من رموز النظام وقيادات حزب التجمّع الذي أعلن بالأمس حله وتجميد نشاطه، مطيعا وفيا منخرطا في الفساد السياسي والاستبداد حتى أذنيه، بل ومدافعا عنه ومنظرا له.


قد لا يعني هذا أن الرأي القائل بالزحف نحو مقرّ الحكومة بالقصبة وإسقاط الغنوشي هو رأي سديد، فالشعب ونخبه فوتوا فرصة "كنس" العهد البائد يوم كان التونسيون في الشارع متحفزين لاسترداد حقوقهم.


هنالك قناعة لدى التونسيين اليوم تكشف وعيا بخطورة المرحلة، تلك القناعة ربما هي التي تأجل الإطاحة بالحكومة الضعيفة الحالية، التي ارتكبت أخطاء لا تغتفر خصوصا عندما استفزت مشاعر الثائرين وعوائل الشهداء وعينت محافظين من حزب "التجمع" محل المحافظين (الولاة) السابقين، ناهيك عن تلكؤها في إيجاد حلّ لمعضلة الحزب الحاكم الذي تهتف الجماهير بإسقاطه وحله، علاوة على التصرف الأمنويّ الرديء الذي طبع سلوكها تجاه المحتجين في القصبة، وضبابية إجراءاتها ونواياها.

وزادت فوضى الإعلام الرديء والردّاح من تفاقم الإشكال، بل لعلّ قوى الردة التي تريد إنهاك الثورة وإفشالها هي التي تقف خلف تلك الفوضى، إذ ضرب الإعلام التونسيّ الرسميّ المثال في الغوغائيّة و"الهجائية" والاستخفاف بعقول الثائرين.

فمرتزقة الأمس ومُطبّلو العهد البائد ومُزمّروه تحولوا بقدرة قادرة إلى ثوّار أشاوس لا يشقّ لهم غبار، انقلبوا على أعقابهم دون تجشم عناء الاعتذار للشعب التونسي عن 23 سنة من تزييف الحقائق والكذب والتزوير.


ولكن ما بالطبع لا يتغيّر وسلوك الإعلام الردّاح ظلّ على حاله البائس، فمن هجا المعارضة بالأمس القريب ووصف المناضلات بالمومسات، ووصف المناضلين بالشواذ، انبرى اليوم يهتك ويهجو وليّ نعمته السابق، في وقت لم يعد فيه لذلك الهتك والهجاء أيّ معنى، فانكشفت أزمة الإعلام الحقيقية وهي أزمة مهنيّة لا يبدو أنها ستحلّ اليوم أو غدا على اعتبار أن الحكومة المؤقتة لا تحمل برنامجا واضحا وأولويات مضبوطة، فهي تتلكأ في تغيير الطاقم الرديء المسيطر منذ عقود على مفاصل الإعلام وتتجنّب محاربة الدخلاء على المهنة وملاحقتهم بلا هوادة.


إلى ذلك، يستسهل البعض اتهام محمد الغنوشي بالسعي لإعادة حزب التجمع للحكم، ربما مخاوفهم مشروعة لكن يخفى عن كثيرين أنّ أخطبوط الفساد هو الذي يطعن هذه الحكومة التي تضل حكومة مؤقتة رغم كل ما قيل ويقال من حولها ووجودها الآن ليس لأنها الأجدر بل لأن المرحلة لا تحتمل.


فرغم كل ما قيل حول "العصابة" التي كانت تحكم تونس (ومصطلح العصابة أطلقه حلفاء بن علي من الأميركيين على طريقته إدارته للدولة والجماعة التي كانت تحيط به) لم يكن أيا كان يتوقع أن الفساد بلغ ذلك الحدّ المذهل، وكانت الصدمة الحقيقية والمؤسفة التي جعلتنا نتيقّن أن تونس حُكمت من قبل أناس من المفروض أنهم لا ينتمون إلينا، بل ينتمون إلى "العالم السفلي" حيث تجّار الحشيش وقطاع الطرق و(الحراميه) ومُمارسو السلب والنهب وقطع الأرزاق و(البراكاج).


اجزم أن الذين يعيقون انتقال تونس من المرحلة الانتقالية نحو المرحلة الديمقراطية والتعددية اليوم هم الباحثون عن طوق النجاة، من فلول المتعصبين لحزب التجمع والقيادات الأمنية الفاسدة ومعظمهم يرغب في كسب الوقت لا غير لطمس معالم جرائمه، في حين يسيطر وهم على آخرين ممن يعتقدون أن إمكانية الحفاظ على امتيازاتهم السابقة مازال ممكنا في ظلّ حكومة يقال إنها مدعومة من الغرب ويترأسها رمز من رموز نظام زين العابدين بن علي، وحتى هذا السلوك الأرعن لا ينمّ عن شيء بقدر ما ينمّ عن اقتناع هؤلاء العابثين بمستقبل تونس أنّ ساعة الحساب باتت اقرب من حبل الوريد وأن المجرمين والفاسدين سيحاسبون ويعاقبون.


من خلال ما تقدّم، سيكتشف كثيرون خطورة الوضع التونسي الحالي الذي يسوقه الإعلام الدولي بطريقة خاطئة، فتونس التي تحتفل بنجاح الثورة، هي نفسها تونس التي تخشى على مستقبل ثورتها، وتونس التي أطاحت بالطاغية هي نفسها تونس التي تحترز من عودته بثوب جديد أو تحت يافطة مزورة.


وكأنه كتب علينا أن نهدر المزيد من الوقت قبل أن نخوض معركتنا الحقيقية... أم المعارك.. وهي معركة التنمية وشطب اسم تونس من سجل الدول المتخلفة أو النامية واللحاق بكرب الحضارة والتطوّر والازدهار.


فأجدادنا الذين استشهدوا لدحر الاستعمار الفرنسيّ سلموا تونس إلى آبائنا الذي سلموها بدورهم إلى استبداد لا يرحم، فحرمنا من خمسين سنة كان من المفروض ألا تهدر في النضال ضد الاستبداد بل في النضال من أجل التنمية وتحقيق كرامة التونسي على أرض وطنه، وهنالك اليوم مخاوف من أن يسلم هذا الجيل الشاب الذي كان عماد الثورة لأحلامه إلى طبقة من السياسيين الفاشلين ممن سيعودون بنا إلى المربع الأول فنهدر المزيد من الوقت والجهد والدماء.


وكأنه كتب علينا أو على كثيرين منا أن نهدر المزيد والمزيد من الوقت في محاربة حكومة تفتقر للشعبية، أو إضاعة فرصة تحقيق ديمقراطية تستوعب الجميع بسبب المراهقة الإيديولوجية التي والهرطقات التي يتحلى بها بعض السياسيين ممن لا يرون أن التحدّي الأكبر لتونس بعد الثورة هو تحدي التنمية التي تعيقها مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وتعليمية وصحية وبيئية ومناخية لا تحصى ولا تعدّ.


سقوط الطاغية ومحاسبة الفاسدين والانتقال إلى المرحلة الديمقراطية الحقيقية – رغم أهميتها – لا تتعدى كونها الخطوة الأولى نحو بناء تونس الجديدة التي يتربّص بها الأعداء في الداخل والخارج، وعلى التونسيين أن يفهموا ذلك.



read more "تونس الثائرة: بين مخاطر الردّة واستحقاق التنمية"

انهم يخطفون ثورة الشرفاء



عبد الباري عطوان
نعترف بأننا نشعر بالقلق والخوف على الثورة التي فجرها الشباب المصري للاطاحة بنظام ديكتاتوري بوليسي متعجرف، واعادة مصر الى دورها الريادي في المنطقة والعالم بأسره. مبعث هذا القلق نابع من تعاظم محاولات داخلية وخارجية، لوأد هذه الثورة، وتفريغها من محتواها، وتجييرها لحسابات قوى كان دورها ثانويا، او محدودا فيها.
نظام الرئيس مبارك استطاع ان يحقق في اليومين الماضيين عدة انجازات ادت الى التقاط انفاسه، وكسب بعض الوقت لتثبيت بعض اركانه وامتصاص جانب لا بأس به من الاحتقان الشعبي الرافض لوجوده، رغم ان هذا النظام لم يقدم اي اعتذار للشعب، واعترافاته بالاخطاء جاءت سطحية، ونجح في استعادة الامساك ببعض مفاصل الحكم كان قد خسرها امام زخم الاحتجاجات.
انجازات النظام يمكن اختصارها بمجموعة من النقاط الرئيسية:
الاولى: تخلي الاخوان المسلمين عن شروطهم السابقة بعدم الحوار مع النظام الا بعد رحيل الرئيس حسني مبارك، وجلوسهم الى طاولة المفاوضات، الى جانب آخرين، مع اللواء عمر سليمان وقبولهم، مع بعض التحفظات ببيان ختامي للاجتماع يتبنى كل ما ورد في الخطاب الاخير للرئيس مبارك حول التعديلات الدستورية، ولا يتضمن اي ذكر لرحيله.
الثانية: إحداث شرخ يتسع يوما بعد يوم، بين جبهة المعارضة وقــــيادة الشـــباب المتظاهر انفسهم، فقد لوحظ ان مجموعة ادعت تمثيل هؤلاء شاركت في الحوار مع نائب الرئيس.
الثالثة: طرح الثورة العفوية الشبابية على مسرح التحكيم، وافساح المجال لـ'الوسطاء'، فقد شاهدنا تكرار مقولة 'الحكماء' وتعدد لجانهم، وانضمام او تسمية شخصيات في عضويتها، لم يكن لهم اي تاريخ وطني، بل ان بعضهم خدم جميع العصور، وتقلب في مناصب حكومية ابتداء من عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ومرورا بعهد محمد انور السادات، وانتهاء بعهد الرئيس حسني مبارك، ويسنون اسنانهم لتبوؤ مناصب قيادية في العهد الجديد. القول بان هناك لجانا للحكماء يوحي بان مفجري هذه الثورة هم من 'المجانين' او 'القصّر' ويحتاجون الى من يعقّلهم او يتفاوض باسمهم.
الشباب المصري لم يفجر ثورته، ويخرج بالملايين الى شوارع القاهرة والاسكندرية والسويس وباقي المدن المصرية من اجل تعديلات دستورية، او تنصيب اللواء عمر سليمان رئيسا، وانما من اجل اطاحة نظام واسقاط عهد فاسد قمعي، وازالته من جذوره، وتقديم كل الفاسدين والبلطجية فيه الى العدالة.
نظام حكم الرئيس مبارك انتهك حقوق الانسان، ومارس التعذيب، وصادر الحريات، ونهب ثروات البلاد، وجوّع اكثر من اربعين مليون مصري، واهان كرامة اربعين مليونا آخرين، والتفاوض معه هو اعتراف باستمرار شرعيته، وتضحية بدماء الشهداء.
' ' '
من الواضح ان التصريحات التي ادلى بها فرانك وايزنر المبعوث الامريكي الى مصر التي قال فيها ان الرئيس مبارك يجب ان يستمر في الحكم حتى اجراء التعديلات الدستورية المطلوبة قد احدثت انقلابا في الموازين السياسية، ورجحت كفة النظام، واثبتت عمليا ان مطالبة الرئيس الامريكي باراك اوباما بالتغيير الفوري كانت مجرد 'مسرحية' مكشوفة، هدفها تحسين وجه امريكا، والادعاء بان البيت الابيض لا يساند الدكتاتور.
الجيش المصري مارس دورا مخادعا ايضا عندما ادعى حيادا لم يثبت عمليا على الارض، ولم يقم بواجبه في الاستجابة لمطالب الشعب في خلع الدكتاتور، اسوة بزملائه في تونس، وهناك مؤشرات انه بدأ ينقلب على الثورة تحت مسمى حفظ النظام والاستقرار، فمنعه للمتظاهرين من الوصول الى ميدان التحرير تحت ذريعة تسهيل حركة السير يصب في هذه النتيجة، والايحاء بان الحياة بدأت تعود الى مجراها الطبيعي في البلاد.
الثورة الشبابية لم تعكر صفو الحياة الطبيعية في مصر، بل كانت ثورة منضبطة من اجل استقرار حقيقي ودائم في البلاد، من اسس للفوضى وتعطيل سبل الحياة هو النظام الذي رفض الرحيل استجابة لرغبات الشعب، ولو كان الرئيس مبارك فعل ما فعله الرئيس زين العابدين بن علي رحمة بمصر، وحرصاً على أمنها واستقرارها، لهدأت هذه الثورة وعادت الحياة الى طبيعتها قبل اسبوع على الاقل.
نستغرب التراجع المفاجئ لحركة الاخوان المسلمين عن شروطها المحقة والشرعية، في ضرورة سقوط النظام، مثلما نشعر بالحزن لجلوسها مع اخطر شخص في هذا النظام والتفاوض معه لاطالة عمر نظامه تحت ذرائع لم تكن مطلقاً على رأس مطالب الثوار، وهي اجراء تعديلات دستورية في ظل استمرار الرئيس في موقعه حتى نهاية مدة رئاسته.
الاسلاميون اشترطوا التفاوض مع الجيش وقيادته فقط، ليس من اجل تطبيق الاصلاحات او التعديلات الدستورية، وانما تأمين خروج النظام وجميع اركانه، فكيف وقعوا في مصيدته، اي النظام واسقطوا مطالبهم جميعاً، قبل اسقاط الرئيس وحكمه.
هل هي البراغماتية السياسية في الوقت الخطأ، ام انها محاولة لانتزاع شرعية من نظام فاقد الشرعية.. ام هي خطوة للحصول على اعتراف امريكي.. ام انها محاكاة لنموذج حزب 'العدالة والتنمية' في تركيا بقيادة رجب طيب اردوغان؟
' ' '
لا بد ان هناك اتصالات في الكواليس لا نعرفها، والا ما معنى مسارعة السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية للترحيب بمشاركة الاخوان المسلمين في الحوار مع اللواء سليمان.. وهل يعقل ان الولايات المتحدة ستؤيد حكماً اسلامياً في مصر يلغي معاهدة كامب ديفيد ويؤيد المقاومة ضد اسرائيل؟
النظام المصري الذي يملك ثلاثين عاماً من الرصيد القمعي، وكيفية التلاعب بأوراق المعارضة، وتقسيم صفوفها، اعد 'مصيدة' خطيرة للثورة، ويبدو ان بعض فصائل المعارضة قد ابتلع الطعم وسهل للنظام مهمته في هذا الاطار.
نحن لسنا مع تجويع الشعب المصري، بل نحن ضد الذين جوعوا هذا الشعب، وجعلوا نصفه يعيش على اقل من دولارين في اليوم، وندرك جيداً حجم معاناة هذا الشعب في ظل تعطل الحياة العامة في البلاد، ولكن علينا ان نتذكر ان من سحب الشرطة، وفتح البلاد على مصراعيها امام اللصوص الرسميين الذين تخفوا بملابس مدنية هو النظام الذي يتفاوض معه ما يسمى بفصائل المعارضة المصرية.
لا يحتاج الاخوان المسلمون الى الذهاب الى طاولة الحوار مع اللواء سليمان حتى يتعرفوا على نوايا النظام مثلما قال احد المتحدثين باسمهم، فنوايا النظام واضحة للعيان، وهي كسر هذه الثورة، وتشتيت فعالياتها، وتمزيق اوصالها، وتثبيت النظام حتى يعاود الانقضاض على المتظاهرين والانتقام منهم.
ما زلنا نثق بشباب مصر وقدرتهم على التغيير، واطاحة نظام الطاغية وفي اسرع وقت ممكن، وما نتمناه عليهم ان ينفضوا ايديهم من كل 'الحكماء' و'الانتهازيين'، ورجال كل العصور، والمتطلعين لسرقة انجازهم العظيم وما اكثر هؤلاء.
read more "انهم يخطفون ثورة الشرفاء"

2011-02-06

سقوط اول حزب فاشي عربي في تونس




جاء في بلاغ صادر عشية اليوم الاحد عن وزارة الداخلية انه تفاديا للاخلال بالنظام العام وحفاظا على المصلحة العليا للوطن قرر وزير الداخلية اليوم الاحد 06 فيفرى 2011 تعليق نشاط حزب التجمع الدستورى الديمقراطي وكل اجتماع أو تجمع لاعضائه وغلق جميع المحلات التي يملكها هذا الحزب أو التي يتصرف فيها وذلك في انتظار التقدم بطلب في حله لدى السلط القضائية ذات النظر.


وقد استند قرار وزير الداخلية وفقا لنص البلاغ نفسه الى مقتضيات الفصول 2 و18 و19 من القانون الاساسي عدد 32 لسنة 1988 المؤرّخ في 3 ماي 1988 والمتعلق بتنظيم الاحزاب السياسية.
read more "سقوط اول حزب فاشي عربي في تونس"

هكذا تكافئ امريكا رجالها

عبد الباري عطوان - القدس العربي -

نعيش هذه الايام لحظات تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالشرق الاوسط يتغير، بل العالم كله يتغير، والسبب مجموعة من الشباب الشجاع المؤمن بعروبته وعقيدته، انطلق في الميادين الرئيسية في كل من تونس ومصر وقال لا للطغاة والطغيان.


الدرس الابلغ الذي يمكن استخلاصه من هذا الاستفتاء الشعبي الكبير المستمر منذ احد عشر يوما في ميدان التحرير في القاهرة، وقبلها في شارع الحبيب بورقيبة في وسط تونس ان الولايات المتحدة تتخلى بكل سهولة عن رجالاتها، وترفض ان توفر لهم الملاذ الآمن بمجرد ان تلفظهم شعوبهم، وتدير لهم ظهرها.

الادارة الامريكية تتعامل مع الاوضاع في مصر حاليا وكأن الرئيس مبارك غير موجود على الاطلاق، بل تعتبره عبئا ثقيلا عليها تريد الخلاص منه بأسرع وقت ممكن تقليصا للخسائر، وحماية لمصالحها او ما تبقى منها.

شكرا لهؤلاء الشبان الشجعان الذين جعلوا ركب الديكتاتوريين تصطك خوفا ورعبا، ويجثون على ركبهم استجداء للشعب وتجنبا لغضبته. فها هو الرئيس حسني مبارك يرضخ لمطالب الجماهير ويعلن عزمه على الرحيل اذا ما توفر له المخرج اللائق، والحصانة القضائية، بحيث لا يطارد في المستقبل القريب، من قبل الثوار الجدد، كمجرم حرب ومسؤول عن الفساد.

ها هو الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة يقرر رفع حالة الطوارئ، ويتعهد باصلاحات.. وها هو الرئيس اليمني علي عبدالله صالح يعلن على الملأ انه لا يريد ان يبقى رئيسا مدى الحياة او يورث الحكم لابنه.

الجماهير العربية التي تتابع ليل نهار تطورات الاوضاع في مصر، تتمنى انتصار الثورة بسرعة، حتى تتابع انتقالها الى دولة عربية اخرى، للاطاحة بطاغية آخر، وبدء عهد جديد من الكرامة والعزة.

الرئيس مبارك سيرحل قريبا، لان الشعب المصري لن يتوقف في منتصف الطريق، ولن يضحي بدماء شهدائه، ونزول الملايين الى ميدان التحرير في قلب القاهرة، ومختلف المدن المصرية الاخرى هو التأكيد على هذه الحقيقة.

نحن نعيش سباقا بين نظام يتشبث بالسلطة لحماية رموزه الفاسدة من الغضبة الشعبية وانتقامها، وبين مجموعة من الشباب الذين يتطلعون الى مستقبل مشرق لبلادهم. النظام يريد ان يكسب المزيد من الوقت لترتيب اوضاعه، والشباب يريدون اختصار الوقت للوصول الى هدفهم المنشود في التغيير.

حتى بنيامين نتنياهو الطاووس المتغطرس بدأ ينزل من عليائه، ويتعاطى بشكل مختلف مع قضايا طالما تصلب فيها، فها هو يتحدث للمرة الاولى عن رفع المسؤولية الاسرائيلية عن البنية التحتية في قطاع غزة، والدفع بمشاريع دولية تتعلق بالصرف الصحي والكهرباء والماء، وتعزيز الوضع الاقتصادي لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية.

نتنياهو لم يقدم هذه التنازلات تكرما على الشعب الفلسطيني، وتعاطفا مع محنته، وانما مرغما ومكرها، والفضل في ذلك لا يعود الى براعة المفاوضين الفلسطينيين، وانما الى عملية التغيير الجارفة التي تسود المنطقة بأسرها.

العالم بأسره يرى كيف ان الديمقراطية الوحيدة في المنطقة (اسرائيل) تقف الى جانب الطغيان والدكتاتورية في البلدان المجاورة لها، والموقعة اتفاقات سلام معها. والاكثر من ذلك تقوم هذه الدولة باستخدام كل علاقاتها الدولية من اجل دعم هذه الانظمة والحيلولة دون سقوطها.

نتنياهو يدرك جيداً ان سقوط نظام الرئيس مبارك يعني سقوط كل ما بنته اسرائيل وامريكا على مدى ثلاثين عاماً من التطبيع والاذلال وقتل روح المقاومة والكرامة لدى الانسان العربي من خلال ترويض انظمة ديكتاتورية قمعية.

فسقوط اتفاقات كامب ديفيد مع سقوط نظام الرئيس مبارك يعني عودة مصر الى قيادتها، ومكانها الريادي في المنطقة، الامر الذي يعني عودة اسرائيل الى المربع الاول، دولة مذعورة منبوذة بالكامل في جوارها العربي.

اسرائيل تقلق، بل ترتعد خوفاً، لان مصر مبارك شكلت حاجزاً بينها وبين العرب المعادين لاكثر من ثلاثين عاماً، وتواطأت معها في فرض الحصار وتشديده على عرب ومسلمين في قطاع غزة، وهو اكبر عمل غير اخلاقي ومشين في التاريخ.

قبل توقيع معاهدات كامب ديفيد عام 1979 كانت ميزانية وزارة الدفاع الاسرائيلية تستهلك حوالي 30' من الناتج القومي الاسرائيلي، انخفضت هذه النسبة الى اقل من 8' فقط بعد توقيع هذه الاتفاقيات، مما يعني توفير حوالى عشرين مليار دولار سنوياً على الاقل وهو مبلغ كبير ساهم في تطوير الصناعات العسكرية الاسرائيلية، والانفاق على حروب لبنان ومواجهة انتفاضات الشعب الفلسطيني وتعزيز سطوة الاستخبارات الخارجية، والداخلية الاسرائيلية وبما يمكنها من الاقدام على اغتيال الشهيدين محمود المبحوح وعماد مغنية وآخرين كثر.

تكهنات كثيرة تدور هذه الايام حول من سيملأ الفراغ في حال انهيار نظام الرئيس مبارك، ولكن الامر الذي يجب التشديد عليه هو ان هذه المسؤولية، اي ملء الفراغ، هي من اختصاص الشعب المصري وليس امريكا او اوروبا او اي دولة خارجية.

بداية لا بد ان تتخلص مصر من رأس الافعى، وبعد ذلك اذنابها، ويفضل ان يقدموا جميعاً الى العدالة، ليتلقوا القصاص الذي يستحقونه، واعادة الاموال التي نهبوها الى الشعب المصري.

نحذر من الوسطاء، ومما يسمى بلجان 'الحكماء' الذين ينشطون هذه الايام ويدعون انهم يمثلون طرفاً ثالثاً، ويعرضون حلولا ومخارج وسطية. هؤلاء يحاولون انقاذ النظام وليس مصر، ونسبة كبيرة من هؤلاء خدموا النظام الحالي مثلما خدموا انظمة سابقة، اي انهم رجال لكل العصور.

لا حلول وسطا في الثورات، ولا اصلاح للاستبداد. النظم الفاسدة يجب ان تجتث من جذورها، حتى يتم بناء انظمة ديمقراطية جديدة على انقاضها. هذا ما حدث في جميع الثورات السابقة.

الحكماء الحقيقيون هم من يقفون مع الشعب، ومطالبه العادلة، ولا يطرحون مخارج للديكتاتوري تحت عنوان الحفاظ على مصر.. فالشعب المدافع الحقيقي عن مصر، وهو الذي فرض التغيير واجبر النظام على تقديم تنازلات متتالية لم يفكر مطلقاً في ذروة جبروته وغطرسته في الاقتراب منها او حتى مناقشتها.

امريكا خسرت الشرق الاوسط، وحلفاؤها القمعيون يترنحون، ولا يعرفون النوم وينتظرون لحظة السقوط، حيث لن تنفعهم ملياراتهم، ولا البطانة الفاسدة التي شجعتهم على اضطهاد شعوبهم.


read more "هكذا تكافئ امريكا رجالها"